صديق الحسيني القنوجي البخاري

475

فتح البيان في مقاصد القرآن

تعالى أوجب متابعته فوجب العمل بعموم القرآن ، ولما وجب العمل به امتنع العمل بالقياس . وإلا لزم التناقض انتهى ، والبحث في ذلك يطول وله موضع غير هذا . قَلِيلًا ما مزيد للتوكيد أي تذكرا قليلا أو زمانا قليلا تَذَكَّرُونَ . ثم شرع اللّه في إنذارهم بما حصل للأمم الماضية بسبب إعراضهم عن الحق فقال وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ كم هي الخبرية المفيدة للتكثير ، ولم ترد في القرآن إلا هكذا ويجب لها الصدر لكونها على صورة الاستفهامية ، والقرية موضع اجتماع الناس أي كم من قرية من القرى الكثيرة أَهْلَكْناها نفسها بإهلاك أهلها أو أهلكنا أهلها والمراد أردنا إهلاكها . وقوله فَجاءَها بَأْسُنا معطوف على أهلكنا بتقدير الإرادة كما مر ، لأن ترتيب مجيء البأس على الإهلاك لا يصح إلا بهذا التقدير إذ الإهلاك هو نفس مجيء البأس ، وقال الفراء : إن الفاء بمعنى الواو فلا يلزم التقدير ، والمعنى أهلكناها وجاءها بأسنا ، والواو لمطلق الجمع لا ترتيب فيها . وقيل : إن الإهلاك واقع لبعض أهل القرية فيكون المعنى وكم من قرية أهلكنا بعض أهلها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع ، وقيل المعنى وكم من قرية حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا ، وقيل أهلكناها بإرسال ملائكة العذاب إليها فجاءها بأسنا ، والبأس العذاب ، وحكي عن الفراء أنه إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت فيكون المعنى وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها مثل دنا فقرب وقرب فدنا . بَياتاً أي ليلا لأن البيات فيه أو مصدر واقع موقع الحال ، يقال بات يبيت بيتا وبياتا أي بائتين . أَوْ هُمْ قائِلُونَ أي قائلين ، و أَوْ في هذا الموضع للتفصيل لا للشك كأنه قيل أتاهم بأسنا تارة ليلا كقوم لوط ، وتارة وقت القيلولة كقوم شعيب ، وهل يحتاج إلى تقدير واو حال قبل هذه الجملة أم لا ؟ خلاف بين النحويين فقدره بعضهم . ورجحه الزجاج وبه قال أبو بكر والقيلولة هي نوم نصف النهار . وقيل هي مجرد الاستراحة في ذلك الوقت لشدة الحرّ من دون نوم ، وخص الوقتين لأنهما وقت السكون والدعة فمجيء العذاب فيهما أشد وأفظع وأزجر وأردع عن الاغترار بأسباب الأمن والراحة . والمعنى جاءها عذابنا غفلة وهم غير متوقعين له ليلا وهم نائمون أو نهارا وهم قائلون وقت الظهيرة أي جاءهم البأس على غير تقدم أمارة لهم على وقت نزوله ، وفيه وعيد وتخويف للكفار كأنه قيل لهم لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة فإن عذاب اللّه إذا نزل نزل دفعة واحدة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 5 إلى 9 ] فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 5 ) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 ) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ( 7 ) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ( 9 )